سوريا تواجه فجوة إعادة إعمار بقيمة 216 مليار دولار رغم المكاسب الدبلوماسية
تواجه سوريا تحدياً اقتصادياً ضخماً حيث تتجاوز تكلفة إعادة الإعمار 216 مليار دولار، في حين يبلغ نصيب الفرد من الدخل 670 دولاراً فقط. رغم التقدم الدبلوماسي والأمني، تبقى نسبة الفقر عند 90% والموارد المتاحة غير كافية لسد الفجوة المالية.
أوشكت سوريا على إكمال عامين من عمرها الجديد في الثامن من ديسمبر، حيث قطعت شوطاً مهماً في استعادة مكانتها الإقليمية. نجحت القيادة الجديدة في رفع العقوبات وإعادة الاندماج في النظام المالي الدولي، وتأسيس تحالفات مع تركيا وقطر والسعودية. لكنني أرى أن هذه المكاسب الدبلوماسية لا تخفي حقيقة اقتصادية قاسية؛ فالتعافي المادي ما يزال محدوداً جداً مقارنة بحجم الدمار الذي خلفته سنوات الحرب الطويلة.
الاقتصاد: الأرقام تكشف حجم الفجوة
يؤكد البنك الدولي أن الأضرار المباشرة للبنية التحتية تجاوزت 108 مليارات دولار، بينما بلغت تكلفة إعادة الإعمار الكاملة 216 مليار دولار. هذا الرقم يفوق الدخل القومي السوري لعام 2011 البالغ 67 مليار دولار، مما يعني أن تخصيص كل دخل الدولة لهذا الغرض سيستغرق أكثر من ثلاث سنوات فقط.
الأوضاع المعيشية تظل التحدي الأكبر أمام السوريين اليوم. انخفض نصيب الفرد من الناتج المحلي إلى 670 دولاراً عام 2022، بينما يقدر برنامج الأمم المتحدة الإنمائي نسبة الفقر بـ 90 في المئة. الفجوة بين الأجور والتكاليف واسعة؛ فالحد الأدنى للأجر الشهري لا يتجاوز 95 دولاراً، في حين تحتاج أسرة من خمسة أفراد إلى 197 دولاراً لتغطية احتياجاتها الأساسية.
رغم توقيع اتفاقيات مع شركات سعودية وإماراتية وقطرية لتطوير مطاري دمشق وحلب وميناء طرطوس، إلا أن التنفيذ الفعلي بطيء. عادت أعداد من أصحاب رؤوس الأموال الصغيرة، لكن كبار رجال الأعمال ترددوا في الوفاء بتعهداتهم الاستثمارية. كما تحملت السعودية وقطر عبء رواتب القطاع العام لمدة عام، وهو دعم يرجح أن ينتهي بنهاية 2026.
| المؤشر | القيمة |
|---|---|
| تكلفة إعادة الإعمار | 216 مليار دولار |
| الحد الأدنى للأجر | 95 دولاراً |
| نسبة الفقر المقدرة | 90% |
الأمن والسيادة: تقدم غير مكتمل
على الصعيد الأمني، حققت الحكومة تقدماً ملموساً في إنهاء تمرد الساحل في مارس 2025، رغم مقتل مئات المدنيين العلويين في العمليات العسكرية. كذلك، تم دمج قوات سوريا الديمقراطية في مؤسسات الدولة بعد اتفاق مبرم في 10 مارس 2025، وأعلن مظلوم عبدي اكتمال الدمج المدني والعسكري في 20 أغسطس 2026.
غير أن التوغل الإسرائيلي في الجنوب الغربي يظل الملف الأكثر تعقيداً. رفض رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو توقيع مسودة الاتفاق الأمني التي توصل إليها الطرفان في باريس خلال يناير 2026. لم تنجح واشنطن في تنظيم جولة تفاوضية جديدة، وطالبت الجانب السوري بالانتظار حتى انتهاء الانتخابات الإسرائيلية.
أما أزمة السويداء، فتشهد مؤشرات على اقتراب التسوية بفضل الضغوط الأمريكية على إسرائيل وانقسامات داخل ميليشيات الشيخ حكمت الهجري. لكنني أحذر من اعتبار هذا التقدم حلاً نهائياً؛ فدمشق لم تستعد السيطرة الكاملة على المدارس والجامعات الخاضعة سابقاً للإدارة الذاتية، ولا تزال هناك صعوبات في دمج بعض التشكيلات المسلحة.
إجمالي الموارد المتاحة أقل بكثير من الاحتياجات المطلوبة لتحقيق تعافٍ واسع. إن تحويل الإنجازات السياسية إلى استقرار اقتصادي حقيقي يتطلب موارد ضخمة لم تتوفر بعد، ويبقى السؤال مفتوحاً حول قدرة الدولة على سد فجوة الـ 216 مليار دولار في ظل القيود الحالية.